مع بزوغ فجر كل يوم جديد، وقبل أن يرفع المؤذن نداء الصلاة، كانت أمينة تغادر فراشها البارد. كانت حياتها سباقاً لا ينتهي مع الزمن؛ تبدأ يومها بعجن الخبز وبيعه لسكان الحي، ثم تنطلق لتعمل كعاملة نظافة في إحدى المدارس البعيدة، تعصر الممسحة بيديها المتورمتين من شدة البرد ومواد التنظيف، وترسم على وجهها ابتسامة رضا زائفة حتى لا يشفق عليها أحد. كانت تعود في الظهيرة لترعى صغارها، ثم تجلس خلف ماكينة خياطة قديمة ورثتها عن والدتها، تحيك ملابس الجيران حتى ساعات متأخرة من الليل، وعيناها تذبلان من السهر والتدقيق في ثقوب الإبر. كان جسدها يصرخ من الألم، وعظامها تئن تحت وطأة التعب، لكنها كانت كلما نظرت إلى أطفالها وهم يكتبون واجباتهم المدرسية، تشعر بطاقة خفية تسري في أوصالها، وكأن نجاحهم هو الوقود الذي يحركها.
كانت أمينة سيدة "الأكاذيب البيضاء" بامتياز؛ فكم من مرة ادعت الشبع وهي تتضور جوعاً لتترك نصيبها من الطعام لصغارها، قائلة بابتسامة مقنعة: "لقد أكلت أثناء إعداد الطعام"، وكم من مرة ادعت الدفء في ليالي الشتاء القارسة، لتغطي أبناءها ببطانيتها الوحيدة، مدعية أنها تفضل الهواء المنعش. كانت تخفي دموعها في الوسادة ليلاً، وتظهر لهم صباحاً بوجه مشرق كالشمس، تزرع فيهم الأمل والعزة، وتخبرهم أن الفقر ليس عيباً، بل العيب هو الرضا بالجهل والهوان. كبر الأطفال وهم يرون أمهم تحترق كالشمعة، تذوب يوماً بعد يوم، لكن ضوءها يزداد سطوعاً في حياتهم. كان "خالد" يرى تشقق كعبيها وهي تسير مسافات طويلة لتوفير ثمن المواصلات، وكانت "سارة" تلحظ ارتعاش يديها وهي تحمل الأكياس الثقيلة، فغرس ذلك في نفوسهم إصراراً فولاذياً على النجاح، ليردوا لها ولو جزءاً بسيطاً من هذا الدين الثقيل.
وجاء الاختبار الأصعب حين مرض "خالد" واحتاج لعملية جراحية عاجلة، ولم تكن تملك مليماً واحداً. وقفت أمينة عاجزة لأول مرة، شعرت أن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهها. لكنها لم تستسلم، باعت أثاث غرفتها، وباعت خاتم زواجها الذي كانت تحتفظ به كذكرى وحيدة من أيام الزمن الجميل، بل وعملت في حمل الطوب في ورشة بناء قريبة، عملٌ يهد جبالاً من الرجال، قامت به امرأة نحيلة الجسد عظيمة الروح. كانت نظرات العمال لها مزيجاً من الدهشة والاحترام، فقد رأوا فيها لبؤة تدافع عن شبلها. أجرت العملية ونجى خالد، وحين عاد للمنزل ورأى يد والدته المجروحة وجسدها المنهك، قبل قدميها وبكى بحرقة واعداً إياها بأن هذا التعب لن يذهب سدى.
مرت السنوات، وتبدلت الأحوال، وشاخ جسد أمينة، ابيض شعرها وتقوس ظهرها، لكن حصاد السنين قد أينع أخيراً. في قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة، وقف الدكتور "خالد" ببدلته الأنيقة ليلقي كلمة الخريجين، وبجانبه المهندسة "سارة"، وفي الصفوف الأولى جلس الضابط "يوسف". ساد الصمت القاعة حين بدأ خالد حديثه، لم يتحدث عن الطب أو الهندسة، بل تحدث عن "ماكينة الخياطة القديمة" وعن "رائحة الكلور" التي كانت تفوح من ثياب أمه، وعن "كسرات الخبز" التي كانت تؤثرهم بها على نفسها. قال بصوت متهدج: "نحن لسنا عصاميين، نحن صناعة امرأة عظيمة أفنت عمرها لتبنينا، شهادتي هذه لا تحمل اسمي، بل تحمل اسم أمينة".
نزلت الدموع من عيون الحاضرين، وضجت القاعة بالتصفيق الحار حين نزلت أمينة، التي كانت تجلس في زاوية بعيدة بملابسها البسيطة، لتصعد إلى المنصة. مشت بخطوات بطيئة، تستند على ذراع ابنها الطبيب، وذراع ابنها الضابط، بينما ابنتها المهندسة تمسح دموع الفرح. لم تكن مجرد أم تحتفل بتخرج أبنائها، بل كانت محاربة منتصرة تقف فوق قمة الجبل الذي تسلقته حافية القدمين ودامية اليدين طوال ثلاثين عاماً. نظرت أمينة إلى وجوه أبنائها المشرقة، ثم نظرت إلى يديها الخشنتين المليئتين بالندوب، وابتسمت بصدق لأول مرة منذ سنوات طويلة، مدركة أن كل لحظة ألم، وكل دمعة كتمتها، وكل لقمة حرمت نفسها منها، قد تحولت اليوم إلى تيجان فخر ترصع رؤوس أبنائها. لقد أثبتت أمينة أن الأمومة ليست مجرد حمل وإرضاع، بل هي معركة مقدسة لصناعة الإنسان، وأن المرأة، مهما بدت ضعيفة، قادرة على قهر المستحيل إذا كان الدافع هو فلذات كبدها.
Tags:
قصص واقعية واجتماعية
