انتقل عاصم للسكن في الملحق الصغير للقصر ليشرف على أعمال الترميم بنفسه، وفي الليلة الأولى، وبينما كان القمر يلقي بظلاله الشاحبة عبر النوافذ الطويلة، استيقظ على صوت غريب، لم يكن صوت ريح تصفر في الشقوق، ولا صوت حيوانات ليلية، بل كان صوتًا بشريًا، همسًا خافتًا وحادًا يتسلل من تحت ألواح الأرضية الخشبية، همس يكرر كلمة واحدة بإلحاح مرعب: "أخرجيني... أخرجيني". ظن عاصم في البداية أنه يحلم، أو أن الإرهاق قد نال منه، فتناول كوبًا من الماء وعاد للفراش محاولًا إقناع عقله بالصمت، لكن الصوت عاد في الليلة التالية، وهذه المرة كان أقرب وأكثر وضوحًا، وكأنه يأتي من داخل الغرفة نفسها، مصحوبًا ببرودة مفاجئة جعلت أنفاسه تتكاثف أمامه كسحب بيضاء صغيرة. بدأ عاصم يشعر بقلق حقيقي، فقام بتفتيش المنزل بدقة، فحص الأنابيب، والأسقف، وحتى الجدران، لكنه لم يجد شيئًا يفسر مصدر الصوت، ومع ذلك، كان الشعور بأن هناك من يراقبه من الزوايا المعتمة يزداد قوة مع كل ساعة تمضي.
في اليوم الثالث، قرر عاصم التجول في المقبرة المجاورة نهارًا، لعله يجد تفسيرًا طوبوغرافيًا لانتقال الصوت، ربما هناك تجويف صخري أو بئر قديمة، سار بين القبور المتآكلة، يقرأ الأسماء التي مسح الزمن نصف حروفها، حتى توقف أمام قبر مميز يقع في أقصى الزاوية الملاصقة لسور قصره، كان القبر الوحيد الذي لا يحمل شاهدًا، بل مجرد كتلة صخرية ضخمة وضعت بإهمال، وحولها نبتت زهور حمراء غريبة لا توجد في أي مكان آخر بالحديقة. شعر عاصم بانقباض مفاجئ في صدره، وكأن جاذبية خفية تشده نحو الأرض، وفجأة، في وضح النهار، سمع الهمس ذاته يتردد في أذنه بوضوح تام، لكنه هذه المرة لم يقل "أخرجيني"، بل قال جملة جعلت ركبتيه ترتعدان: "أنت تقف فوق الدليل". تراجع عاصم للخلف متعثرًا، وهرب عائدًا إلى القصر، وعقله يدور في دوامة من الرعب والشك، هل فقد عقله؟ أم أن هناك جريمة تحاول الأرض أن تلفظ أسرارها لتخبره بها؟
قرر عاصم البحث في أرشيف القرية القديم، وهناك التقى بأمين المكتبة العجوز الذي تغيرت ملامحه بمجرد أن ذكر عاصم موقع القصر والمقبرة. أخبره العجوز بصوت مرتعش عن قصة "ثريا"، الفتاة اليتيمة التي كانت تعمل خادمة في القصر قبل خمسين عامًا، والتي اختفت فجأة دون أثر في ليلة ممطرة، وقيل حينها أنها هربت مع عشيق غريب، لكن الشائعات كانت تهمس بأن سيد القصر آنذاك، والذي لم يكن سوى الجد الأكبر للمالك الذي اشترى منه عاصم العقار، كان مغرمًا بها بجنون مرضي، وأن اختفاءها تزامن مع بنائه لذلك السور الحجري الفاصل بين الحديقة والمقبرة. عاد عاصم إلى القصر وهو يحمل ثقل الحقيقة المحتملة، ونظر إلى السور، ثم إلى الزاوية التي يوجد بها القبر المجهول، وبدأت قطع الأحجية تترتب في عقله بشكل مرعب؛ القبر ليس داخل المقبرة، بل هو ملاصق للسور من الخارج، في أرض القصر نفسها، وقد تم تمويهه ليبدو كأنه جزء من المقبرة القديمة.
انتظر عاصم حتى انتصف الليل، وحمل فأسًا ومصباحًا يدويًا، واتجه نحو الزاوية المشؤومة. كانت الليلة عاصفة، وأصوات الرعد تغطي على صوت ضربات فأسه التي راحت تنهش في الأرض الطينية الرطبة. مع كل ضربة، كان الهمس يزداد ارتفاعًا وتحول إلى صراخ مكتوم يملأ رأسه، وكأن آلاف الأرواح تصرخ معه. حفر عاصم بعمق مترين، وكانت يداه تنزفان، وملابسه تلطخت بالطين، حتى ارتطم الفأس بشيء صلب، لم يكن صخرًا، بل كان صندوقًا خشبيًا متهالكًا مغلفًا بالزنك. توقف قلبه للحظة، وبيدين مرتعشتين، أزاح التراب عن الغطاء وفتحه بصعوبة، ليسطع ضوء المصباح على بقايا هيكل عظمي صغير، يرتدي قلادة فضية لا تزال تلمع، وبجانبه رسالة محفوظة في زجاجة محكمة الغلق.
فتح عاصم الزجاجة وأخرج الورقة المصفرة، وقرأ الحروف التي كُتبت بحبر باهت وبيد مرتجفة، كانت اعترافًا بخط اليد من سيد القصر القديم، يقر فيه بأنه قتل ثريا خطأً في لحظة غضب حين رفضت حبه، وأنه دفنها هنا، على الحد الفاصل بين عالمه وعالم الأموات، لكي لا يعثر عليها أحد، وليبقى قريبًا منها للأبد. وما إن انتهى عاصم من القراءة، حتى ساد صمت مطبق ومفاجئ، توقفت الرياح، واختفت الغيوم لتفسح المجال لضوء القمر، وشعر عاصم بنسمة دافئة تمر بجانبه، وكأن ثقلًا عظيمًا قد انزاح عن كاهل المكان. الهمسات توقفت للأبد، فقد وصلت الرسالة، وتم تحرير الحقيقة من سجنها الترابي. جلس عاصم بجوار الحفرة، يدرك أنه لم يشترِ مجرد منزل، بل اشترى تذكرة لكشف مظلمة تاريخية، وأن دوره لم يكن الترميم بالحجارة، بل ترميم العدالة التي غيبها الزمن، في تلك الليلة، نام عاصم بعمق لأول مرة، بينما كانت أرواح الماضي قد حزمت حقائبها ورحلت بسلام.
Tags:
قصص رعب وغموض
